تقرير بحث النائيني للكاظمي

52

فوائد الأصول

وأما في الثاني : فلأن للعقل في باب الضرر الدنيوي حكم واحد ، وهو قبح الإقدام على ما لا يؤمن معه من الوقوع في الضرر ، نظير حكمه بقبح التشريع ، وليس حكم العقل بقبح الإقدام على مظنون الضرر أو مشكوكه طريقيا نظير حكمه بقبح ما لا يؤمن معه من الوقوع في التصرف في مال الغير ، فان محل الكلام إنما هو الضرر الدنيوي ، إذ الضرر الأخروي ليس هو إلا العقاب وحكم العقل في لزوم دفعه يكون إرشاديا محضا لا يستتبع حكما مولويا ، كحكمه بقبح المعصية . وأما الضرر الدنيوي فالعقل وإن استقل بلزوم دفع بعض مراتبه ، إلا أن حكم العقل في باب الضرر يكون في صورة العلم والظن بل الاحتمال العقلائي بمناط واحد ، وهو قبح الإقدام على ما لا يؤمن منه من الضرر ، وعلى هذا يخرج من موضوع التجري وليس فيه انكشاف الخلاف فتحصل : أنه لم يتم إجماع على حرمة التجري بالقسم المبحوث عنه في المقام ولا دل عليه دليل . نعم : يمكن القول بحرمة القسم الآخر من التجري ( 1 ) وهو ما إذا قصد المعصية وتلبس بمقدماتها ومنعه عن وقوع المعصية مانع . وعلى ذلك تحمل

--> ( 1 ) أقول : لو التزمت بحرمة التجري فيما ذكرت فأنشدك بالله ! أن عدم منع المانع عن العمل مانع عن حرمته ؟ بل لنا أن نقول : إن مناطه بالأولوية يجرى في المقام . والتحقيق أن يقال : إن بنينا بعدم استقلال العقل بأزيد من سوء سريرة الفاعل الكاشف عن تجريه ، فقيام دليل تعبدي على الحرمة في التجري - ولو لمورد من موارده - دونه خرط القتاد ! بل لابد من حمل أخبار حرمة قصد المعصية على إثبات حرمة هذا العنوان المخصوص الغير المرتبط بباب التجري الكاشف عن سوء سريرته وإن كان ملازما له . وإن قلنا باستقلال العقل بقبحه ، فلا محيص من حمل أخبار العقوبة على الإرشاد ، لاستحالة إعمال جهة المولوية مع الاستقلال العقلي المزبور . فعلى أي حال لا يبقى مجال إثبات حرمة التجري شرعا مولويا ، كما لا يخفى .